حسن الأمين

201

مستدركات أعيان الشيعة

أن جماعة من المعتقلين في أحد مخافر الشرطة ما زالوا محبوسين لم يطلقوا . وفي صباح اليوم التالي شاع الخبر في المدينة ، فاضرب البازار استنكارا لذلك وتوافد الناس إلى منازل المراجع الدينية ، وأعلنوا أنهم يرفضون « رضا خان » ، ويطلبون إحالته إلى المحاكمة . بيان « رضا خان » وذهب « رضا خان » إلى بلدة « سعدآباد » فاعتزل فيها بضعة أيام ، ثم ذهب منها إلى مدينة قم فاجتمع بمن فيها من العلماء ورجال الدين ، وفيهم المراجع المبعدون من العراق ، وتودد إليهم . وجعل السبب الظاهر لذهابه إلى قم قيامه بواجب توديع هؤلاء المراجع ، إذ كان موعد عودتهم إلى العراق قريبا . وقد التمس منهم إرسال برقية إلى طهران تساعد على تهدئة الخواطر . فأرسل المراجع الثلاثة : السيد أبو الحسن الاصفهاني والميرزا محمد حسين الغروي النائيني والشيخ عبد الكريم الحائري برقية نشرت في العاصمة يوم 5 فروردين سنة 1303 ه‍ . ش . موجهة إلى العلماء والأعيان والتجار وجميع طبقات الأمة . وفيها أنهم طلبوا من « رضا خان » حين جاء إلى قم لوداعهم نقض مطلب الجمهورية وإلغاء المظاهر التي ترتبت عليه ، إذ تبين أن الرأي العام غير راض عنها . وأنها لا تنفق ومقتضيات المملكة . وأن رئيس الوزارة استجاب لطلبهم . ورجوا أن تكون هذه النعمة موضع التقدير وأن تكون هذه العناية موضع الشكر . وبعد عودة « رضا خان » من قم إلى طهران نشر في يوم 12 فروردين سنة 1303 ه‍ . ش . بيانا قال فيه « إن حكومته الحاضرة قد تجنبت حتى اليوم صد الناس عن إبراز إحساساتهم المنبعثة من كل جانب . وذلك التزاما منها بالأصل المقرر وهو أن أولياء الأمور لا يجوز لهم أبدا أن يخالفوا الرأي العام ويناقضوه » . وقال : « وإذ كنت منذ البدء ولا أزال أبتغي غاية واحدة هي أن أحفظ وأحرس عظمة الإسلام واستقلال إيران وأرعى مصالح المملكة والأمة رعاية كاملة . وكل من خالف هذا النهج أعده عدوا أسعى إلى قمعه . وإذ كنت عازما على إدامة هذا النهج ، وإذ كان ما في الأذهان العامة اليوم من تشتت واشتباه يمكن أن يؤدي إلى نتائج مخالفة لما أكنه في خاطري من حرص على حفظ النظام والأمان واستحكام أساس الدولة ، وإذ كنت وكل أفراد الجيش لانزال منذ البدء نعتبر المحافظة على أبهة الإسلام وصيانتها من أعظم واجباتنا ونضع هذا الواجب نصب أعيننا ، فقد كنا دائما نسعى إلى ازدياد رقي الإسلام وتعاليه يوما فيوما ومراعاة مقام الروحانيين واحترامهم مراعاة كاملة . ومن ثم باحثت السادة حجج الإسلام والعلماء الأعلام ، حين تشرفنا بزيارة السيدة « المعصومة » ( ع ) ، لتوديعهم ، في موضوع الحدث الحاضر ، وتبادلنا الأفكار . وفي النهاية تم رأينا على أن أوصي عموم الناس بوقف الدعوة إلى الجمهورية ، وأن نصرف جهودنا إلى إزالة موانع إصلاح المملكة وترقيها وأن يعاضدوني ويساعدوني في الوصول إلى الغاية المقدسة ، وهي إحكام أساس الديانة واستقلال المملكة والحكومة الوطنية . فانا أنصح كل الوطنيين ومحبي تلك الغاية المقدسة بصرف النظر عن المطالبة بالجمهورية ، وأن يكونوا معي يدا واحدة لنيل المقصد العالي الذي نتفق عليه كلنا « . عزل رضا خان بعد عودة « رضا خان » من قم إلى طهران أصبح قليل الأمل بالمجلس النيابي . فالأكثرية التي تناصره مزعزعة . والأقلية التي تخالفه قد اشتدت وعزمت على الثبات في مقاومته . وأظهر فريق من النواب سوء ظنهم به صراحة . ثم وصلت برقية من « أحمد شاه » من باريس بعزله عن الوزارة وتفويض المجلس النيابي اختيار مرشح آخر لرئاستها . فتنحى « رضا خان » عن منصبه في يوم 18 فروردين سنة 1203 ه‍ . ش . وسافر إلى ناحية « رودهن » واعتزل فيها . وروى أحد نواب تلك الدورة ، وكان من أنصار « رضا خان » في مذكراته أن « رضا خان » أصبح ، بعد عزله وتضافر المعارضين وتشددهم في مقاومته ، آيسا من النجاح فعزم على مغادرة إيران . وحزم أمتعته وهيا سيارته للسفر وفيما هو موشك أن ينطلق جاءه جماعة من أخص أصدقائه . وفيهم كاتب المذكرات نفسه والزعيم الاشتراكي « سليمان ميرزا » واختلى به ساعة فلما عاد بدأ « رضا خان » مستبشرا وعدل عن السفر . تكليف رضا خان بتشكيل الوزارة انصرف « رضا خان » انصرافا قاطعا عن أمنية نظام جمهوري يكون هو رئيسا له . ولكن القرائن كانت تدل على أنه لم ينصرف عن أمنية الوصول إلى الرئاسة الدكتاتورية وإسقاط الأسرة القاجارية عن العرش . فبعد عزله عن رئاسة الوزارة أخذت الصحف الموالية له تنشر مقالات عنيفة تندد فيها بمن خالف الجمهورية ومن خالف « رضا خان » ، وتبالغ في الثناء عليه وبيان خدماته للمملكة وتطلب بقاءه في منصب رئاسة الوزارة . وقام فريق من ضباط القوزاق بعقد اجتماعات في الساحات العامة وألقوا خطبا عنيفة نددوا فيها بمخالفي « رضا خان » وأرسلوا رسالة تهديد إلى المجلس النيابي طلبوا فيها إعادته إلى رئاسة الوزارة وإلا فعلوا . وكذلك أرسل أمراء العسكر وضباط القوزاق من أغلب الولايات برقيات تهديد صريحة إلى المجلس ، وأعلنوا بأنهم سيفسدون أمن البلاد إن لم يعد « رضا خان » . إلى رئاسة الوزارة . ونشرت الصحف الموالية له أخبارا بان ننحيه عن منصب الحكم جرا أهل الفتنة فقاموا باعمال محلة بالأمن . ونشرت إحداها خبرا بان أذربيجان أعلنت استقلالها عن إيران وأقامت حكومة جمهورية . وعقد المجلس النيابي جلسة خاصة لاختيار مرشح لرئاسة الوزارة . كانت النتيجة معروفة فالأكثرية تؤيد « رضا خان » وسيطرة العسكريين تمنع ترشيح غيره . فابعد أنصار « رضا خان » النائب السيد « حسن المدرس » عن الجلسة بخدعة فلم يحضرها . وكان المدرس أشد خصوم « رضا خان » وأجرأهم عليه . وهو الذي سبق أن عوق بمناوراته عرض مشروع الجمهورية على المجلس للتصويت حتى تهيأت الأسباب لقيام مظاهرة الثاني من فروردين سنة 1303 ه‍ . ش . التي أسقطت المشروع وقضت على فكرة الجمهورية نهائيا . ولذلك أبعدوه عن تلك الجلسة ليأمنوا معارضته العنيفة وأسرعوا في إقرار اختيار « رضا خان » لرئاسة الوزارة بلا مناقشة . وتم اختيار هذا لها بأكثرية الأصوات . وأبلغت النتيجة برقيا إلى « أحمد شاه » وهو في باريس . فجاء الجواب منه بقبول اختيار المجلس وتكليف « رضا خان » بتشكيل الوزارة . وأرسل المجلس النيابي وفدا من النواب إلى « رودهن » إلى « رضا خان » لابلاغه قرار المجلس في 21 فروردين سنة 1303 ه‍ . ش .